السرخسي

7

أصول السرخسي

حجة على غيره ، وإنما الحجة الحديث ، وبتأويله لا يتغير ظاهر الحديث فيبقى معمولا به على ظاهره ، وهو وغيره في التأويل والتخصيص سواء . وبيان هذا في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال : المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا وهذا يحتمل التفرق بالأقوال ويحتمل التفرق بالأبدان ثم حمله ابن عمر على التفرق بالأبدان حتى روى عنه أنه كان إذا أوجب البيع مشى هنيهة ، ولم نأخذ بتأويله لان الحديث في احتمال كل واحد من الامرين كالمشترك فتعيين أحد المحتملين فيه يكون تأويلا لا تصرفا في الحديث . وكذلك قال الشافعي رحمه الله في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه السلام قال : من بدل دينه فاقتلوه ثم قد ظهر من فتوى ابن عباس أن المرتدة لا تقتل فقال : هذا تخصيص لحق الحديث من الراوي وذلك بمنزلة التأويل لا يكون حجة على غيره ، فأنا آخذ بظاهر الحديث وأوجب القتل على المرتدة . وأما ترك العمل بالحديث أصلا فهو بمنزلة العمل بخلاف الحديث حتى يخرج به من أن يكون حجة ، لان ترك العمل بالحديث الصحيح عن رسول الله ( ص ) حرام كما أن العمل بخلافه حرام ، ومن هذا النوع ترك ابن عمر العمل بحديث رفع اليدين عند الركوع كما بينا . وأما ما يكون من جهة غير الراوي فهو قسمان : أحدهما ما يكون من جهة الصحابة ، والثاني ما يكون من جهة أئمة الحديث . فأما ما يكون من الصحابة فهو نوعان على ما ذكره عيسى بن أبان رحمه الله : أحدهما أن يعمل بخلاف الحديث بعض الأئمة من الصحابة وهو ممن يعلم أنه لا يخفى عليه مثل ذلك الحديث ، فيخرج الحديث به من أن يكون حجة ، لأنه لما انقطع توهم أنه لم يبلغه ولا يظن به مخالفة حديث صحيح عن رسول الله ( ص ) سواء رواه هو أو غيره ، فأحسن الوجوه فيه أنه علم انتساخه أو أن ذلك الحكم لم يكن حتما فيجب حمله على هذا . وبيانه فيما روى البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة ثم صح عن الخلفاء أنهم أبوا الجمع بين الجلد والرجم بعد علمنا أنه لم يخف عليهم الحديث لشهرته ، فعرفنا به انتساخ هذا الحكم ، وكذلك صح عن عمر رضي الله عنه قوله : والله لا أنفي أحدا أبدا . وقول علي رضي الله عنه : كفى بالنفي فتنة ، مع علمنا أنه لم يخف عليهما الحديث ، فاستدللنا به على انتساخ حكم الجمع بين الجلد والتغريب .